ورقة سياسات رقم 1
حرب غزة تعيد هندسة معادلات القوة في اليمن وتفتح الباب أمام سيناريوهات متعارضة بين إعادة التأسيس والتفكك
وتوضح الورقة أن جماعة الحوثي تواجه اليوم مرحلة تتداخل فيها عناصر القوة والضعف. فمن جهة، أتاح لها الانخراط في البحر الأحمر فرصة لتقديم نفسها كفاعل إقليمي مؤثر، لكن هذا الانخراط ذاته أدى إلى استدعاء ردود عسكرية واقتصادية مكثفة أضعفت قدراتها اللوجستية والمالية. وداخل الجماعة، برزت مؤشرات على صراع تيارات بين الجناح العقائدي الذي استعاد السيطرة على هرم القيادة والجناح البراغماتي الذي يسعى إلى فتح قنوات تواصل مع الدول العربية. ومع تقلص الموارد، أصبحت إدارة مناطق السيطرة أكثر تعقيدًا، وظهرت توترات داخلية ترتبط بتوزيع النفوذ والموارد، ما يجعل قدرة الجماعة على الاستمرار بوضعها الحالي مرهونة بحدود الضغط الخارجي ومنسوب التماسك الداخلي.
وفي الجانب الآخر، تواجه الشرعية حالة تفكك بنيوي أعمق من أي وقت مضى، نتيجة انتقال مركز القرار من المؤسسات المدنية إلى القوى المسلحة التي تحولت إلى مراكز نفوذ قائمة بذاتها. وتتعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع هذه القوى بوصفها أدوات أكثر فعالية من الإطار السياسي الرسمي، ما أدى إلى تهميش دور الحكومة الشرعية وتحويلها إلى مظلة تجمع تناقضات متعددة دون رؤية موحدة أو قدرة على بناء قرار سياسي مستقر. وهذا التعدد في مراكز القوة جعل الشرعية غير قادرة على استثمار لحظة التراجع الحوثي أو تقديم نفسها كطرف قادر على قيادة مرحلة انتقالية، وبدلاً من ذلك أصبحت جزءًا من معادلة معقدة تتطلب إدارة مستمرة للتنافس الداخلي.
وترصد الورقة تحوّلًا واضحًا في المقاربة السعودية للملف اليمني بعد حرب غزة. فقد تبيّن للرياض أن التهدئة الثنائية مع الحوثيين ليست كافية لضمان الاستقرار، وأن ترك الملف في حالة فراغ سياسي قد يفتح المجال أمام تدخلات دولية غير منضبطة، خصوصًا في ضوء اتساع التنافس على البحر الأحمر. لذلك أصبحت السعودية اليوم تتحرك لإعادة ضبط موازين القوى داخل المناطق المحررة عبر منع أي طرف من الانفراد بالقرار، مع الحفاظ على حد أدنى من التماسك الداخلي يمنع انزلاق الجبهة المناهضة للحوثيين نحو التفكك، وفي الوقت نفسه يؤمّن حدود المملكة البرية والبحرية ضمن رؤية أمنية أكثر صرامة.
وعلى المستوى الدولي، يبدو أن الولايات المتحدة، لا سيما بعد انتقال السلطة، أعادت تفعيل سياسة الضغط العسكري والاقتصادي على الحوثيين، لكنها لم تنتج بعد إطارًا سياسيًا موازيًا قادرًا على توجيه هذا الضغط نحو تسوية شاملة. وبجانب ذلك، تعمل روسيا على توسيع حضورها السياسي مستفيدة من الفراغات التي خلّفها ارتباك النظام الإقليمي وتغير أولويات القوى الغربية، وتسعى إلى تكريس حالة "التوازن المانع للحسم" التي تبقي اليمن ساحة مفتوحة للتفاوض دون الانزلاق إلى ترتيبات قد تُقصي دورها.
وتخلص الورقة إلى أن الطرفين المحليين الأساسيين، الشرعية والحوثيون، يتحركان ضمن بنية داخلية تتآكل تدريجيًا. فالحوثيون يعانون من صراع تيارات وضغوط مالية خانقة، والشرعية تعيش حالة تعدد مراكز تجعلها عاجزة عن ممارسة دورها كسلطة موحدة. هذا التآكل المزدوج يجعل عملية السلام أكثر تعقيدًا، ويحوّل الأطراف اليمنية إلى فواعل مقيدة بقواعد لعبة إقليمية ودولية تتغير باستمرار.
وتعرض الورقة ستة سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب. يتمثل أولها في إمكانية إعادة إحياء خارطة الطريق ضمن صيغة جديدة تأخذ في الاعتبار مخاوف السعودية الأمنية وتعيد تنظيم الشرعية وتُرغم الحوثيين على خفض سقف مطالبهم. ويتمثل السيناريو الثاني في اتساع نطاق التنافس الدولي داخل اليمن بحيث تتحول البلاد إلى ساحة تصادم غير مباشر بين القوى الكبرى، ما يزيد احتمالات الصراع الداخلي. أما السيناريو الثالث فيقوم على احتمالية لجوء الأطراف إلى عمليات عسكرية محدودة لإعادة ضبط ميزان القوى، وهو مسار قد يفتح الباب أمام مفاوضات جديدة لكنه يحمل مخاطر توسع الحرب إذا لم يخضع لضبط خارجي. ويطرح السيناريو الرابع احتمال تفكك داخلي تدريجي داخل جماعة الحوثي نتيجة الضغوط الاقتصادية والانقسامات، وهو سيناريو شديد الخطورة لغياب أي إطار مؤسسي بديل. في حين يركز السيناريو الخامس على احتمالية تآكل الشرعية من الداخل بفعل التنافس بين مكوناتها، رغم أن الضوابط الإقليمية ستمنع انهيارها الكامل. وأخيرًا، يشير السيناريو السادس إلى إمكانية حدوث تغييرات في هرم القيادة لدى الحوثيين أو الشرعية، سواء عبر صعود شخصيات جديدة أو إعادة توزيع النفوذ استجابة لتغيرات داخلية وخارجية.
وفي المحصلة، يرى التقرير أن اليمن يقف عند لحظة إعادة تعريف شاملة، ليس نتيجة قدرة أي طرف على الحسم، بل نتيجة عجز الأطراف مجتمعة عن الاستمرار ضمن البنى السابقة. فإما أن تتجه البلاد نحو عملية "إعادة تأسيس" تستلزم إعادة بناء مركز القرار في الشرعية والحوثيين على السواء، وإما أن تشهد مرحلة "انكفاء متبادل" تعمّق التفكك الداخلي وتُبقي اليمن عالقًا بين مسارات إقليمية ودولية متشابكة لا تمتلك الأطراف المحلية القدرة على إدارتها أو التحكم فيها.
